سياسة

المقبرة الجيوسياسية لحلفاء واشنطن

بقلم Marc German
|
⏱ 12 دقيقة قراءة
📅 08-05-2026
المقبرة الجيوسياسية لحلفاء واشنطن

لقد حذّر وزير الخارجية الأمريكي حتى قبل تنصيب ريتشارد نيكسون، في نوفمبر 1968، قائلاً:

«قد يكون من الخطير أن تكون عدواً للولايات المتحدة، لكن أن تكون صديقاً لها أمرٌ قاتل.»

وبعد أكثر من نصف قرن، تتردد هذه العبارة المنسوبة إلى هنري كيسنجر كأنها نبوءة جنائزية فوق الأنقاض الصناعية والاستراتيجية لأولئك الذين اعتقدوا أن التحالف الأطلسي يحمي مصالحهم الحيوية.

ومنذ سنوات 2010، يحيط صمت مدوٍّ بسقوط عملاق الصناعة النووية الفرنسي «أريفا»، وبشركة «ألستوم» التي جرى تفكيكها على يد «جنرال إلكتريك»، وبعدد متزايد من الجواهر الصناعية الأوروبية التي حُكم عليها بالإعدام بواسطة ترسانة قانونية عابرة للحدود تخدم الهيمنة الاقتصادية الأمريكية.

وخلف واجهة الريادة العالمية للقطاع النووي الفرنسي، لا يختبئ فقط استيلاء مالي بمليارات اليوروهات، بل أيضاً وضع قوة حليفة ــ فرنسا ــ تحت الوصاية الاستراتيجية، لتكتشف اليوم، ومرارة الخيبة على شفتيها، الثمن الحقيقي لصداقتها.

«قضية دولة»: غرق أريفا

تم شراء شركة التعدين «يورامين» سنة 2007 مقابل 1.8 مليار يورو، لكن سرعان ما تبيّن أنها مجرد خدعة صناعية: مناجم غير قابلة للاستغلال، وخسائر تجاوزت ثلاثة مليارات يورو بالنسبة لأريفا، وسلسلة من الملاحقات القضائية كان من بينها توجيه الاتهام إلى رئيسة المجموعة آن لوفرجون.

وخلال بضع سنوات فقط، انفجر النموذج «المتكامل بالكامل» الذي كان يمثل مصدر قوة أريفا. فقد أدت عملية إعادة الهيكلة التي فرضتها الدولة المساهمة إلى ظهور «أورانو» (المختصة بدورة الوقود النووي) و«فراماتوم» (المختصة بالمفاعلات النووية)، واللتين أصبحتا تحت سيطرة مؤسسة كهرباء فرنسا (EDF).

وهكذا تحوّل البطل الصناعي الفرنسي إلى كيان مجزأ وضعيف، عاجز عن منافسة «ويستنغهاوس» أو «روساتوم».

والأكثر إثارة للقلق أن جميع المساهمين في «يورامين» لم يتم التعرف عليهم قط. إن الغموض الشديد الذي يكتنف هذه الصفقة يثير تساؤلات جيوسياسية ثقيلة.

غير أن ما يلفت الانتباه أكثر هو أسماء المسؤولين الفرنسيين الذين شاركوا في تفكيك أريفا: فقد دعم عدد من كبار المسؤولين الذين شاركوا في برنامج «القادة الشباب» التابع للمؤسسة الفرنسية الأمريكية ــ ومن بينهم ثلاثة رؤساء سابقون للجمهورية ــ بصورة نشطة عملية تفكيك هذه الجوهرة الصناعية.

عندما يُفكَّك الحليف تحت ستار القانون

لم تكن قضية أريفا حادثة معزولة. فقضية ألستوم (2014-2015) تقدم مثالاً مدرسياً للطريقة الأمريكية: تلاحق وزارة العدل الأمريكية (DoJ) المجموعة الفرنسية بتهم فساد مزعومة، وتفرض عليها غرامة قياسية قدرها 772 مليون دولار، ثم، وتحت وطأة هذا الضغط القضائي، تُجبرها على بيع فرع الطاقة التابع لها إلى شركة «جنرال إلكتريك» مقابل 12.35 مليار يورو.

ويلخّص فريديريك بييروتشي، وهو أحد مديري ألستوم الذي سُجن لمدة 25 شهراً في الولايات المتحدة، هذه الآلية بقوله:

«ليست هذه حرباً تجارية بين فرنسا والولايات المتحدة، بل هي حرب اقتصادية عالمية بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا، ولا يوجد فيها أصدقاء.»

ومن عام 2010 إلى عام 2025، دفعت مجموعة BNP Paribas ما يقرب من تسعة مليارات دولار كغرامات بسبب انتهاكها العقوبات الأمريكية المفروضة على كوبا والسودان وإيران.

كما خضعت شركات توتال، وسوسيتيه جنرال، وإيرباص، وتاليس للقانون الأمريكي العابر للحدود الذي يديره مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC).

ويتيح هذا السلاح القانوني لواشنطن معاقبة أي شركة أجنبية بمجرد استخدامها الدولار أو مرور عملياتها عبر النظام المصرفي الأمريكي.

لقد أصبح هذا «قانون الأقوى» النموذج الأساسي لسياسة حمائية غير مسبوقة.

أوروبا: فزاعة ورهينة في آن واحد

تدفع أوروبا ثمن تبعيتها.

ففي مطلع عام 2025، نشر معهد مونتين مذكرة تحذيرية أكد فيها أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يفتقر إلى سياسة واضحة فيما يتعلق بمسألة القوانين العابرة للحدود، في الوقت الذي جعلت فيه الولايات المتحدة من هذه الأداة وسيلة رئيسية للدفاع عن مصالحها الوطنية.

والنتيجة أن الشركات الأوروبية أصبحت مضطرة إلى الاختيار بين الامتثال للعقوبات الأمريكية وبالتالي انتهاك القانون الأوروبي، أو مواجهة غرامات هائلة.

وفي القارة العجوز، بدأ الوعي بهذا الفخ ينتشر.

فقد أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث ونُشر في يوليو 2025 أن شعبية الولايات المتحدة في عشر دول ذات دخل مرتفع (من بينها كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا) تراجعت من 51% إلى 35% خلال عام واحد فقط.

وفي الوقت نفسه، تحسنت صورة الصين، مدفوعة بتزايد انعدام الثقة تجاه شريك أمريكي يُنظر إليه على أنه أقل فأقل موثوقية.

أفريقيا: مرآة التراجع الفرنسي

من غرب القارة إلى شرقها، تتزعزع مجمل استراتيجية النفوذ الفرنسية.

فقد كان عام 2025 عام التراجع المتسارع: توقف صادرات اليورانيوم من النيجر، وإلغاء اتفاقيات الدفاع مع تشاد والسنغال وساحل العاج.

ويلخص أحد المحللين الأفارقة الوضع بمرارة قائلاً:

«لم تعد فرنسا تفهم الجغرافيا السياسية، وهي تخطئ في تقدير الوضع الراهن.»

ويبدو هذا العزل أكثر قسوة في ظل صعود مجموعة بريكس الموسعة (مصر، إثيوبيا، إيران، إندونيسيا، المملكة العربية السعودية...) التي أصبحت تستقطب غالبية دول الجنوب العالمي، السئمت من علاقة غير متكافئة كانت فيها «المساعدة» الغربية تُقايَض بالنفوذ الاقتصادي والعسكري.

وتحاول باريس الترويج لنوع من التعددية المبنية على التحالفات مع البرازيل أو الهند، غير أن هذه الاستراتيجية ستظل محدودة التأثير ما لم تترافق مع إعادة نظر جذرية في مفهوم الاستقلال الاستراتيجي الفرنسي.

جمود النخب: خيانة صامتة

إن جوهر المشكلة ليس تقنياً بل سياسي.

فبرامج التبادل مثل «القادة الشباب» (Young Leaders) تركت بصمتها على أجيال متعاقبة من صناع القرار الفرنسيين، من نيكولا ساركوزي إلى إيمانويل ماكرون.

ورغم أن المؤسسة الفرنسية الأمريكية تنفي أي علاقة مباشرة بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، فإن التأثير الثقافي والاستراتيجي لهذه الشبكات العابرة للأطلسي يبقى، بحسب الكاتب، أمراً لا يمكن إنكاره.

وقد أدى هذا التشابك إلى نوع من الجمود القاتل: القبول بتفكيك القطاع النووي، والتخلي عن التكامل الصناعي، والتساهل مع بيع ألستوم، وعدم الطعن أبداً في مبدأ تطبيق القانون الأمريكي خارج حدوده.

وعندما صرح الرئيس ماكرون في يناير 2026 قائلاً:

«إن الولايات المتحدة تبتعد تدريجياً عن بعض حلفائها.»

جاء الرد، وفقاً للكاتب، ساخراً ومؤلماً في الوقت ذاته:

ففرنسا هي التي أُبعدت عن سيادتها الخاصة منذ زمن طويل، قبل أن تدير واشنطن ظهرها لبعض حلفائها.

بنية يجب إعادة بنائها

اليوم، أصبح القطاع النووي الفرنسي، بدلاً من أن يكون ركيزة للاستقلال الاستراتيجي، يعتمد على شركتي أورانو وفراماتوم، وهما كيانان يفتقران إلى رؤية تكاملية موحدة.

كما أن العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي أُعلن عنها في مارس 2025، تؤكد على مفهوم «الردع المتقدم»، ولكن من دون سيطرة كاملة على دورة الوقود النووي بأكملها.

والخلاصة مؤلمة:

فعلى السوق العالمية للمفاعلات النووية، تتقاسم شركات ويستنغهاوس وروساتوم والمجموعات الصينية CGN وCNNC عقوداً كان يمكن أن تذهب إلى أريفا.

أما الاتفاق الصناعي الموقع في يونيو 2025 لإحياء مشاريع مفاعلات EPR2 والمفاعلات المعيارية الصغيرة (SMR)، فقد يظل غير كافٍ إذا لم يرافقه إصلاح سياسي عميق.

حلفاء أم دول محتلة؟

يصعب على مقال من هذا النوع أن ينتهي دون التطرق إلى أكثر مفارقات هذه البنية الهيمنية عمقاً: تلك التي تتمثل في اعتبار دولٍ ما «حرة»، في حين أنها تخضع منذ ما يقرب من ثمانين عاماً لوجود عسكري أمريكي دائم.

فألمانيا وإيطاليا واليابان، بحسب الكاتب، لم تستعد أبداً سيادتها الكاملة بعد عام 1945.

فالوجود الأمريكي، الذي قُدِّم في ذلك الوقت باعتباره مؤقتاً، تحوّل مع مرور الزمن إلى حضور دائم، أصبحت أبعاده القانونية والسياسية تُفرغ مفهوم الاستقلال الوطني من مضمونه شيئاً فشيئاً.

ألمانيا

في ألمانيا، يتمركز أكثر من 36 ألف عسكري أمريكي سنة 2025 داخل عشرات القواعد العسكرية، من بينها قاعدة رامشتاين الشهيرة، التي تُعد مركزاً محورياً للعمليات الأمريكية بالطائرات المسيّرة في أنحاء مختلفة من العالم.

وفي يوليو 2025، رفضت المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية دعوى رفعها مواطنان يمنيان قُتل أقارب لهما في غارة أمريكية أُديرت من الأراضي الألمانية.

ورأت المحكمة أن برلين ليست ملزمة بحماية أجانب خارج حدودها الوطنية.

ويرى الكاتب أن هذا القرار يعكس إلى أي مدى أصبحت الممارسات الأمريكية العابرة للحدود أمراً طبيعياً داخل الأراضي الألمانية.

إيطاليا

أما في إيطاليا، فإن نحو 12,600 جندي أمريكي، إضافة إلى حوالي 21 ألف بحار تابعين للأسطول السادس الأمريكي، يتمركزون في سبع قواعد رئيسية، من بينها قواعد فيتشنزا ونابولي وسيغونيلا.

ورغم أن إيطاليا تؤكد رسمياً أن استخدام هذه القواعد في العمليات العسكرية يتطلب موافقة الحكومة الإيطالية، فإن الكاتب يرى أن الواقع مختلف، إذ تنفذ الولايات المتحدة أحياناً عمليات عسكرية دون طلب هذه الموافقة بشكل صريح.

كما يتحمل دافعو الضرائب الإيطاليون جزءاً من تكاليف هذا الوجود العسكري، والتي تُقدَّر سنوياً بما بين 100 و200 مليون يورو.

اليابان

أما اليابان، فتستضيف وحدها ما يقرب من 55 ألف عسكري أمريكي موزعين على أكثر من 80 قاعدة ومنشأة عسكرية، تتركز غالبيتها في جزيرة أوكيناوا.

ويشير الكاتب إلى أن اتفاقية وضع القوات (SOFA) الموقعة سنة 1960 تمنح العسكريين الأمريكيين حصانة واسعة النطاق.

ففي حال ارتكاب جريمة أثناء أداء الخدمة، لا تكون المحاكم اليابانية صاحبة الاختصاص المباشر.

ويضيف الكاتب أن عشرات الجرائم والحوادث، بما فيها حالات اغتصاب واعتداءات وحوادث قاتلة، وقعت عبر السنوات دون أن تحصل الضحايا دائماً على الإنصاف الذي كانت تطالب به.

كما أن الحكومة اليابانية تساهم سنوياً بحوالي 1.4 مليار دولار لتغطية نفقات هذه القواعد.

وقد قال الروائي الياباني ريو موراكامي سنة 2004 إن:

«اليابان مستعمرة أمريكية بنسبة 99%.»

ويرى الكاتب أن تطورات السنوات اللاحقة لم تُثبت خطأ هذا الوصف.

أعمق أشكال العمى الجيوسياسي

ومع ذلك، لا تصف أي من هذه الدول نفسها بأنها محتلة.

ولا يعلن أي من قادتها ذلك صراحة.

ولا تخرج الجماهير إلى الشوارع للمطالبة بإغلاق تلك القواعد العسكرية.

وهنا يكمن، في نظر الكاتب، أحد أعمق أشكال العمى الجيوسياسي:

فقد أصبح وجود قوات أجنبية على الأراضي الوطنية أمراً طبيعياً، بل يُنظر إليه باعتباره ضمانة للأمن بدلاً من اعتباره تقييداً للسيادة.

وهكذا تحوّل الاعتياد إلى شكل من أشكال النسيان.

عودة فرنسا إلى الناتو... خيانة

كان هذا القرار، بحسب الكاتب، المثال الأوضح على التخلي عن الروح الديغولية.

فالجنرال شارل ديغول، الذي كان من أوائل من أدركوا ما اعتبره ازدواجية الموقف الأمريكي، عبّر عن ذلك بوضوح عندما سحب فرنسا من القيادة العسكرية المتكاملة لحلف الناتو سنة 1966.

فبالنسبة إليه، كان الخضوع العسكري لواشنطن أمراً يتعارض مع الاستقلال الوطني.

وقد كتب حينها إلى الرئيس الأمريكي ليندون جونسون قائلاً:

«إن فرنسا ترى أن التغيرات التي تحققت أو التي هي في طور التحقق لم تعد تبرر، فيما يخصها، الترتيبات العسكرية التي وُضعت بعد إبرام التحالف. ولذلك تعتزم فرنسا استعادة الممارسة الكاملة لسيادتها على أراضيها.»

ومن خلال مطالبته بإخلاء جميع القواعد الأمريكية الموجودة على الأراضي الفرنسية، أثبت ديغول ـ بحسب الكاتب ـ أنه يمكن للدولة أن تكون حليفة دون أن تكون تابعة.

نخب متحمسة...

إن خيانة النخب، التي جرى الحديث عنها سابقاً، لا تقتصر على بعض صناع القرار الذين مرّوا عبر مؤسسات أو شبكات أمريكية؛ بل تتجلى قبل كل شيء في هذا القبول الصامت لفكرة أن الحرية يمكن أن تتعايش مع وضعية الحماية أو الوصاية.

ولذلك، لا يبدو مستغرباً أن ينظر بقية العالم، وخصوصاً دول الجنوب العالمي، إلى هؤلاء الحلفاء الذين يقبلون بهذا الوضع بمزيج من الدهشة والازدراء.

فكيف يمكن الاستمرار في تصديق الخطاب الغربي حول السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، بينما تتعامل الولايات المتحدة مع حلفائها بوصفهم قواعد متقدمة لمصالحها، ويقابل هؤلاء ذلك بالشكر والامتنان؟

وفي هذه اللعبة الكبرى من الأوهام، فإن «الصداقة القاتلة» التي تحدث عنها كيسنجر لا تُدفع أثمانها فقط بخسارة الصناعة النووية أو بفقدان الاستقلال الاقتصادي؛ بل تُدفع أيضاً بخسارة ما يشكل جوهر الدولة نفسها:

القدرة على قول «لا»، والقدرة على تعريف الذات بشكل مستقل، والقدرة على العيش دون وصي.

أما الدول التي ما تزال بمنأى عن هذه الهيمنة ــ وهي كثيرة بحسب الكاتب ــ فإنها تراقب وتتعلم وتستخلص النتائج.

ويرى الكاتب أن فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان أصبحت اليوم ديمقراطيات اسمية تُدار بواسطة نخب فقدت تدريجياً رد الفعل السيادي.

وربما تكون هذه، في نظره، أكبر انتصارات الولايات المتحدة:

أن تجعل من الوجود الأجنبي عادة، ومن العادة نسياناً.

إن سقوط أريفا ليس سوى فصل واحد من حرب اقتصادية أوسع بكثير.

وفي مايو 2025، اضطرت شركة ألستوم إلى إبرام اتفاق مسبق مع وزارة العدل الأمريكية، مع بقائها معرضة لخطر غرامات جديدة.

ويستمر التاريخ في تكرار نفسه، ما دامت أوروبا ترفض تزويد نفسها بأدوات قانونية ومالية قادرة على الرد بالمستوى نفسه.

ميزة ترامب...هناك ميزة غير متوقعة لدونالد ترامب في السردية التي يقدمها الكاتب حول هذه الهيمنة الخفية، وهي أنه لم يعد يحاول إخفاء حقيقتها.

فالرؤساء الذين سبقوه، الأنيقون ومتعددو اللغات، كانوا يتحدثون عن «الدفاع عن النظام الليبرالي الدولي» بينما كانوا في الوقت نفسه يديرون من البيت الأبيض حرباً بالطائرات المسيّرة أكثر دموية من تلك التي شهدتها فترة جورج بوش الابن، ويمارسون ضغوطاً هادئة على الحلفاء عبر أدوات قانونية واقتصادية، ويحافظون على قواعد عسكرية داخل دول يُفترض أنها ذات سيادة.

أما ترامب، فإنه يعلن طبيعة العقد بصراحة.

فهو يقول لألمانيا واليابان:

«أنتم لا تدفعون ما يكفي مقابل حمايتكم.»

ويهدد علناً بترك روسيا تتصرف كما تشاء تجاه أعضاء الناتو الذين لا يساهمون بالقدر الكافي في الإنفاق الدفاعي.

ويبلغ بروكسل أن الرسوم الجمركية ليست استثناءً مؤقتاً، بل أداة دائمة للضغط الاقتصادي.

ومع ذلك، يرى الكاتب أن ترامب لا يفعل في الجوهر سوى مواصلة السياسات التي اتبعها أسلافه، بل وتوسيع بعضها أحياناً.

فالرئيس الذي سبقه مباشرة، جو بايدن، أبقى على الرسوم الجمركية المفروضة على الصين والتي ورثها عن ترامب.

كما واصل تنفيذ الانسحاب من أفغانستان الذي كانت الإدارة الجمهورية السابقة قد بدأت الإعداد له.

واستمر في تزويد أوكرانيا بالأسلحة.

ويصف بعض المحللين هذه الاستمرارية بأنها تشبه «جبل الجليد»:

فالجزء الظاهر فوق الماء يتغير شكله، لكن الكتلة الأساسية الموجودة تحته تبقى على حالها.

وبالتالي، فإن ما تغير فعلاً ليس جوهر السياسة، بل أسلوب عرضها.

فلم يعد هناك حرص على تغليف المصالح بلغة مثالية أو أخلاقية.

لقد أصبح الخطاب أكثر صراحة، وأكثر مباشرة.

وهنا يرى أن هذه الصراحة، مهما كانت فظة، تمنح الأوروبيين ميزة مهمة:

لم يعد بإمكان أحد الادعاء بأنه لا يعرف طبيعة العلاقة الحقيقية.

فلم يعد بالإمكان الادعاء بأن الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا واليابان وإيطاليا منذ عام 1945 هو مجرد عمل خيري أو ضمانة أمنية بلا مقابل.

بل أصبح من الواضح، في نظر الكاتب، أنه شكل من أشكال الوصاية الاستراتيجية التي يُدفع ثمنها من السيادة الوطنية.

إن أول فضل لترامب، بحسب هذه الرؤية، هو أنه مزق ستار النفاق الذي كان يسمح للناس بالاعتقاد أنه يمكن أن يكون المرء «صديقاً للولايات المتحدة» دون أن يدفع الثمن.

فهو يقول علناً ما كان الآخرون يفعلونه بصمت:

أن تكون حليفاً للولايات المتحدة يعني أن تكون تابعاً لها.

وإذا رأى هذا التابع أن شروط العلاقة غير عادلة، فبإمكانه أن يذهب ليعرض شكواه على موسكو أو بكين.


من نحن Marc German

مراسل صحفي دولي ومحلل جيوسياسي

بفضل خبرة تمتد لأكثر من أربعين عاماً كرائد أعمال دولي وأحد الرواد الفرنسيين في مجال الذكاء الاقتصادي، حقق "مارك جيرمان" (Marc German) تحولاً لافتاً قبل عقد من الزمن؛ حيث انتقل من دور الفاعل الذي يعمل في الخفاء وكواليس الأحداث، ليصبح صوتاً بارزاً ورائداً في الصحافة الاستقصائية.

ومن خلال تخصصه في الصناعات الدفاعية، والعقود الاستراتيجية، والحروب الاقتصادية، وآليات تراجع التصنيع، فإنه يثري المشهد الإعلامي بخبرة نادرة. فبعيداً عن النظريات المجردة، تنبع رؤيته من واقع ممارسته السابقة كخبير قام بالتفاوض والتحقيق وتأمين صفقات صناعية كبرى. هذه الشرعية الميدانية تتيح لهتفكيك وتحليل كواليس الرهانات الجيوسياسية وإخفاقات الحوكمة بدقة جراحية.

وباعتباره مساهماً رئيسياً في العديد من الكتب الاستقصائية الأكثر مبيعاً، ومتحدثاً دائماً عبر المنصات المستقلة ووسائل الإعلام المتخصصة (لا سيما في مجالات السيادة الرقمية والمخاطر السيبرانية)، يجسد "مارك جيرمان" النموذج الأرقى للصحافة الاستثنائية. كما أنه، بصفته مؤسساً لمركز الأبحاث Reflextrat ومستمعاً في كرسي علم الجريمة في المعهد الوطني للفنون والحرف (CNAM)، يجمع بين الدقة القائمة على الحقائق، والسرية العملياتية، والشجاعة الفكرية.

وتتجاوز قيمته مجرد تقديم التحليلات، ليكون كاشفاً للفساد (Whistleblower) يتمتع بنزاهة عالية، مسخراً قلمه بكل حزم لخدمة السيادة الوطنية والمصلحة العامة.


← العودة إلى المقالات