تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي: نحو طبٍّ مُعزَّز ومنضبط

بقلم Hyba Ghars
|
⏱ 5 دقيقة قراءة
📅 26-06-2026
الذكاء الاصطناعي: نحو طبٍّ مُعزَّز ومنضبط


لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد وعد بعيد، بل أصبح اليوم يتسلل إلى الممارسة السريرية والوقاية وإدارة القطاع الصحي. وبفضل قدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قصير جداً، يوفّر الذكاء الاصطناعي فرصاً غير مسبوقة لتسريع التشخيص، وتخصيص العلاجات، وتحسين مسارات الرعاية. لكن هذه الثورة تطرح أيضاً مخاطر حقيقية — مثل الأخطاء، والتحيزات، والاعتماد المفرط — وتفرض بالتالي ضرورة وجود إطار تنظيمي وأخلاقي أكثر صرامة. وبين الوعود التكنولوجية والضوابط الواجب احترامها، يدخل الطب مرحلة جديدة يمكن وصفها بأنها “مُعزَّزة ومنضبطة”.


1. الذكاء الاصطناعي في خدمة التشخيص واتخاذ القرار

أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي تدعم الممارسة الطبية على مستويات متعددة. فبعض الأجهزة الحيوية تعتمد على التقاط صور الوجه والإشارات الدقيقة جداً لإنتاج مؤشرات صحية. فعلى سبيل المثال، يقدّم جهاز Longevity Mirror من NuraLogix نفسه كأداة قادرة على تحليل الحركات الدقيقة، ولون البشرة، والتنفس، بهدف إعطاء تقدير عام للحالة الفسيولوجية.

وفي المقابل، ظهرت مساعدات حوارية طبية مثل MedGPT الذي طوّرته Synapse Medicine، بهدف مساعدة المهنيين الصحيين عبر تجميع المراجع الرسمية (مثل HAS وANSM وThériaque وغيرها) وتقديم عناصر دعم لاتخاذ القرار بما يتوافق مع الإطار التنظيمي الفرنسي. هذه الأدوات تسرّع الوصول إلى المعلومات، وقد تقلل من أخطاء الفهم الوثائقي، لكنها صُممت لتكمّل الحكم المهني ولا تحلّ محله.


2. المخاطر والحدود: الهلوسات، التحيز، والاعتماد

رغم فوائدها، تحمل أنظمة الذكاء الاصطناعي حدوداً تستدعي يقظة مستمرة، وهو ما تؤكد عليه باستمرار هيئات علمية مثل Inserm. وهناك ثلاثة مخاطر رئيسية:

الأخطاء أو “الهلوسات”: بعض النماذج تنتج إجابات غير دقيقة أو مختلقة لكنها تعرضها على أنها موثوقة. وفي المجال الطبي، قد يؤدي هذا النوع من الأخطاء إلى تفسيرات غير مناسبة إذا لم يتم التحقق منها من طرف مختص.

التحيزات الخوارزمية: تتعلم أنظمة الذكاء الاصطناعي من بيانات تاريخية غير متجانسة. وإذا كانت هذه البيانات ناقصة أو تعكس ممارسات متحيزة، فقد يعكس النموذج هذه التحيزات أو يضخمها، سواء تعلّق الأمر بالجنس أو الأصل أو خصائص أخرى للمريض. وتُظهر بعض الدراسات الحديثة أن هذه الظواهر ليست نظرية، بل تتطلب إجراءات دقيقة في جمع البيانات وتنظيفها وموازنتها.

الاعتماد المتزايد: كلما تحسنت هذه الأدوات، زادت الرغبة في الاعتماد عليها بشكل تلقائي. لكن الاستخدام المفرط قد يُضعف الحس النقدي السريري ويؤدي إلى تراجع التفكير الطبي البشري. لذلك يجب أن تبقى هذه الأنظمة أدوات مساعدة لاتخاذ القرار، مع وجود آليات واضحة للتحقق البشري.


3. الطب التنبؤي والواسمات الحيوية: عصر الاستباق

يجمع الذكاء الاصطناعي اليوم بين الواسمات الحيوية والتحليلات التنبؤية للانتقال من طبّ تفاعلي إلى طبّ استباقي. لقد أصبحت الحساسات المنزلية والأجهزة الذكية تدمج وظائف كانت في السابق محصورة في المختبرات.

الأشياء اليومية كحساسات: فرشاة الأسنان الذكية Halo من Y-Brush، التي عُرضت في CES 2026، تُجسّد هذا الاتجاه: فهي لا تكتفي بتنظيف الأسنان، بل تحلل مكونات النفس بحثاً عن مؤشرات حيوية قد ترتبط بمرضٍ أو أكثر من 300 حالة صحية محتملة. وبالمثل، تحوّل الأجهزة المتقدمة مثل Body Scan 2 من Withings عملية الوزن إلى فحص صحي شامل، إذ تحلل عشرات المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتمثيل الغذائي، والجهاز القلبي الوعائي، وتركيب الجسم.

تدخلات موجهة: بعض الابتكارات لا تكتفي بالملاحظة، بل تقترح آليات تدخلية. فشركة Neuromind مثلاً تجمع بين الارتجاع العصبي، والواقع الافتراضي، والعلاجات المعرفية من أجل تعديل الحالات الإدراكية أو العاطفية عبر اللدونة العصبية. هذه الأنظمة تفتح آفاقاً علاجية جديدة، خصوصاً في الطب النفسي وإعادة التأهيل، لكنها تثير في الوقت نفسه أسئلة حول التقييم السريري طويل الأمد والمسؤولية الطبية.

الخرائط الخلوية: وعلى المستوى الأساسي، تهدف مبادرات مثل Human Cell Atlas إلى رسم خريطة لمليارات الخلايا البشرية من أجل فهم دورها وتفاعلاتها وتطورها. ومن المتوقع أن يساهم دمج هذه البيانات الضخمة مع الذكاء الاصطناعي في تحقيق تقدم مهم في فهم الأمراض وتطوير العلاجات الشخصية.


4. الرعاية الصحية في المنزل: الحدود الجديدة

يتجه علاج الأمراض المزمنة تدريجياً من المستشفى إلى المنزل، بفضل التقنيات المتصلة والتطبيقات العلاجية. فالواقع الافتراضي العلاجي، الذي كان يُستخدم في البداية داخل المستشفيات، أصبح قابلاً للتطبيق في المنزل عبر برامج مراقبة مثل Healthy Mind، والتي أثبتت نتائج إيجابية على الألم والقلق وجودة الحياة. وتسمح المتابعة المستمرة بتعديل العلاجات في وقت مبكر ومنع التدهور الصحي.

ولا تقتصر التقنيات المنزلية على الأجهزة الطبية وحدها، بل تشمل أيضاً حلولاً صوتية مثل Sonaid التي تستخدم تحليل الأصوات لاكتشاف السقوط أو طلب الاستغاثة أو الأصوات غير الطبيعية في أقل من عشر ثوانٍ، من دون الحاجة إلى ارتداء أي جهاز أو الضغط على زر أو استخدام الأوامر الصوتية. وتساعد هذه الابتكارات على تعزيز استقلالية كبار السن وتقليل الضغط على المؤسسات الصحية، بشرط ضمان الخصوصية والأمان.


5. الشيخوخة والوقاية والقبول الاجتماعي

يشكل شيخوخة السكان دافعاً قوياً للابتكار في الصحة الرقمية. فالتوقعات الديموغرافية تُظهر أن كبار السن سيشكلون نسبة متزايدة من السكان، كما أن أغلب المسنين يفضّلون التقدم في السن داخل منازلهم. وتستجيب التقنيات المتصلة لهذا التوجه من خلال توفير أجهزة للمراقبة والمساعدة والوقاية، لكنها تتطلب اهتماماً خاصاً بسهولة الاستخدام، والقبول الاجتماعي، وتدريب المستخدمين.


6. الأمن السيبراني والسيادة على البيانات: رهانات استراتيجية

إن رقمنة القطاع الصحي تجعل من بيانات الصحة هدفاً استراتيجياً. فالمهنيون والمرضى متفقون على أهمية التكنولوجيا، لكنهم في الوقت نفسه يبقون قلقين بشدة من مسألة حماية البيانات والخصوصية. وتشير تقارير حديثة إلى أن أغلبية العاملين في القطاع الصحي ينظرون بإيجابية إلى الابتكار الرقمي، لكنهم يعبّرون أيضاً عن مخاوف كبيرة بشأن أمن المعلومات الطبية وسريتها.

بيانات الصحة: مورد ومخاطرة

كل استشارة، وكل جهاز متصل، وكل تحليل ينتج بيانات شديدة الحساسية: جينية، تشخيصية، وسلوكية. وهذه البيانات ذات قيمة اقتصادية كبيرة وفي الوقت نفسه ذات طابع شخصي عميق، ما يجعلها هدفاً للقرصنة أو الاحتيال أو الاستخدام غير المصرح به.

التوتر بين الابتكار والحماية

تتطلب الخوارزميات الأكثر تقدماً كميات ضخمة من البيانات لتدريبها. لكن توافر هذه البيانات وجودتها يختلفان، كما أن تركزها لدى بعض الجهات يثير أسئلة تتعلق بالسيادة. ومن دون أطر قانونية واضحة، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي في الصحة إلى تعميق الفوارق أو إضعاف ثقة المرضى على المدى الطويل.

التنظيم والمعايير

في أوروبا، تهدف النصوص المنظمة للذكاء الاصطناعي — مثل قانون الذكاء الاصطناعي — إلى ضبط الاستخدامات عالية المخاطر، ومنها بعض حالات الصحة. كما أن اللائحة العامة لحماية البيانات (RGPD) تفرض قواعد صارمة على جمع البيانات ومعالجتها. ويجبر هذا الإطار المطورين والمؤسسات الصحية على دمج الامتثال، وقابلية التدقيق، وإمكانية التتبع منذ مرحلة التصميم الأولى.


7. نحو طبٍّ مُعزَّز ومسؤول: توصيات

لكي يحقق الذكاء الاصطناعي وعوده من دون المساس بالسلامة أو العدالة، هناك عدة أولويات:

الحوكمة والشفافية: إنشاء هيئات مستقلة للمراجعة، ونشر أداء الخوارزميات وحدودها، وضمان تتبع البيانات والقرارات.

جودة البيانات: الاستثمار في جمع قواعد بيانات ممثلة ومتنوعة أخلاقياً وجغرافياً، مع عمليات دقيقة لتوسيم البيانات وتقليل التحيزات.

التدريب والحفاظ على الكفاءات: إدماج الثقافة

من نحن Hyba Ghars

صحفية تحقيقات وكاتبة وكاشفة مواهب

ولدت في أغسطس 2003، تجسد هبة غارس الجيل الجديد من الصحفيين التونسيين: جريئة، صارمة، وملتزمة بعمق. وهي موهوبة بقدرات عقلية عالية وفضول لا ينضب، تجمع بين حيوية ذهنٍ استثنائية وقدرة تحليلية دقيقة. قلمها الحاد وحسها السردي يجعلانها صوتًا لا غنى عنه لفهم القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية التي تشهدها تونس والقارة الإفريقية.

متخصصة في التحقيقات الميدانية، تعرف هبة كيف تنقب أعمق من السطح؛ توقيعها الصحفي يجمع بين الصرامة الواقعية، الحس الإنساني، والأسلوب السردي المؤثر، ليقدم للقراء صورًا واستقصاءات مُضيئة. من خلال مقابلاتها، تُبرز المواهب الناشئة والمبادرات الدافعة للتغيير، مساهِمةً بنشاط في بناء مستقبل تقوده جيل زد.

بصفتها «كاشفة مواهب»، تكتشف وتُقوِّم وتوصِل المواهب بفرص تُمكّنهم من الفعل والابتكار. عزمها وكاريزماها يُنسيان صِغر سنها: غالبًا ما يغادر من تلتقيهم وقد تغيّروا وأُلهِموا.

تُثري هبة غارس صفحتنا التحريرية بقيادتها، وفضولها المتجدد، ومطالبها الأخلاقية العالية، وموهبتها في إلقاء الضوء على الديناميكيات المعاصرة وكشف من يصنعون المستقبل…


← العودة إلى المقالات