تكنولوجيا

الحرب المُعزَّزة: كيف تستعد فرنسا لصدمة الحروب التكنولوجية القادمة

بقلم Hyba Ghars
|
⏱ 7 دقيقة قراءة
📅 26-06-2026
الحرب المُعزَّزة: كيف تستعد فرنسا لصدمة الحروب التكنولوجية القادمة

لم يعد التفكير في الحرب ممكنًا بالأساليب القديمة التي كانت تربطها فقط بالأرض والحدود وخطوط التماس. فالمعركة الحديثة تدور اليوم في فضاء أوسع بكثير، وأكثر تعقيدًا، وأكثر غموضًا: فضاء يمكن فيه رصد كل حركة تقريبًا، واعتراض كل اتصال، ومهاجمة كل رواية، وتسريع كل قرار عبر الآلة. وفي أوكرانيا، ظهرت هذه التحولات بوضوح شديد وبقسوة غير مسبوقة، حتى أصبحت الحرب هناك مختبرًا مفتوحًا لثورة عسكرية ستتجاوز آثارها حدود أوروبا الشرقية.


أوكرانيا: مختبر الحرب المقبلة

قدّمت الحرب في أوكرانيا صورة دقيقة عمّا قد تبدو عليه حرب القرن الحادي والعشرين. فخطوط الجبهة هناك باتت مكشوفة على نحو شبه دائم بفضل المسيّرات الاستطلاعية، والأقمار الصناعية، وأجهزة الاستشعار، والاتصالات الرقمية. وهذا يعني أن تحركات القوات، وتجمعاتها اللوجستية، ومواقع المدفعية، أصبحت أكثر عرضة للكشف من أي وقت مضى.

هذه الشفافية المستمرة غيّرت أسس التكتيك العسكري. فأصبحت الوحدات تتوزع أكثر، وتتحرك بسرعة أكبر، وتقلل من إشاراتها الإلكترونية، وتحاول الهروب من المراقبة المتواصلة. وفي هذا السياق، لم تعد القوة الخام هي العامل الحاسم وحده، بل القدرة على التخفي داخل بيئة رقمية معادية. فالمعدات المتقدمة التي تتأخر في الانتشار، أو التي تُصدر بصمة إلكترونية كبيرة، أو التي تفتقر إلى المرونة، قد تتحول سريعًا إلى هدف سهل.

كما أظهرت الحرب الأوكرانية أن الابتكار العسكري لم يعد يتدفق فقط من الصناعات الدفاعية الكبرى إلى الجبهات، بل صار يعود من الجبهة نفسها إلى المصممين والمطورين بسرعة كبيرة. تظهر تقنية جديدة، تُختبر، ثم تُعدّل، ثم تُستبدل بإصدار أكثر تطورًا، أحيانًا خلال أسابيع معدودة. لقد تقلصت دورات التقادم بشكل غير مسبوق. وما تكشفه أوكرانيا بوضوح هو أن من يتعلّم أسرع، يتفوّق أكثر.


سيطرة المسيّرات

لا توجد أداة تعبّر عن هذا التحول بوضوح أكبر من المسيّرة. فقد أصبحت المسيّرات من أكثر الوسائل تأثيرًا في الحروب المعاصرة، سواء في الاستطلاع، أو تصحيح النيران، أو الهجوم، أو التشويش، أو الإرباك الإلكتروني. لقد تحولت إلى عنصر محوري في المعركة الحديثة.

تكمن قوتها في مرونتها وتكلفتها النسبية المنخفضة، وفي قدرتها على مضاعفة الأثر بأقل قدر ممكن من الموارد. فبعد أن كان يتطلب الرصد أو الاستهداف وسائل ثقيلة ومعقدة، صار بالإمكان تنفيذ بعض هذه المهام اليوم عبر جهاز خفيف، وكاميرا، ومشغّل مدرب، واتصال آمن بالبيانات. كما أن استخدام الأسراب من المسيّرات أضاف بعدًا جديدًا تمامًا، إذ يمكن لعدة طائرات صغيرة أن تربك الدفاعات وتشتت الموارد وتخلق ضغطًا متواصلًا على الخصم.

لكن المسيّرة ليست مجرد قطعة عتاد. إنها جزء من منظومة كاملة تشمل البرمجيات، وتوجيه الملاحة، وتحليل الصور، والاتصال المحمي، والحرب الإلكترونية، والصيانة السريعة، والتصنيع المحلي، والتعديل المستمر. ولهذا السبب، لم تعد المسيّرة مجرد سلاح، بل أصبحت رمزًا لحرب صار فيها التفوق مرتبطًا بالنظام الرقمي الذي يشغّل السلاح وليس بالسلاح وحده.


الذكاء الاصطناعي يدخل ساحة القتال

دخل الذكاء الاصطناعي بدوره إلى قلب التحول العسكري. فهو يتيح تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة لا يمكن للبشر مجاراتها، ويساعد في رصد الأهداف، وترتيب التهديدات، وتحسين القيادة والسيطرة، وتعزيز استخراج المعلومات الاستخباراتية. وفي بيئة مشبعة بالمعلومات، تصبح هذه السرعة عنصرًا حاسمًا.

ومع ذلك، فالذكاء الاصطناعي ليس حلًا سحريًا. ففعاليته تعتمد على جودة البيانات، ومتانة الأنظمة، والإطار الذي يُستخدم داخله. وفي المجال العسكري، قد يؤدي خطأ في التصنيف أو انحياز في التعرف أو سوء تفسير للمعلومة إلى نتائج خطيرة وفورية. ولذلك تؤكد معظم العقائد العسكرية الجادة أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يدعم القرار، لا أن يحلّ محلّه بالكامل.

وهنا تظهر مسألة السيطرة البشرية باعتبارها جوهرية. فالجيوش تريد الاستفادة من قوة الآلة من دون التخلي عن سلطة القرار. ولم يعد الجندي مجرد شخص يطلق النار أو يناور، بل أصبح مشغّلًا للأنظمة، ومديرًا لتدفق المعلومات، ومقيّمًا للأولويات، وصاحب قرار داخل بيئة فائقة السرعة. والتحدي الحقيقي ليس فقط في الأتمتة، بل في الأتمتة من دون تجريد الحرب من بعدها الإنساني.


فرنسا أمام التحول

في مواجهة هذا الواقع الجديد، شرعت فرنسا في إعادة بناء مقاربتها الدفاعية بعمق. والهدف واضح: الحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي في عالم أصبحت فيه السيادة العسكرية مرتبطة إلى حد كبير بالتحكم في التقنيات الحساسة. وهذا يتطلب الاستثمار في الحساسات، والبرمجيات، والشبكات المؤمنة، والحوسبة الفائقة، والفضاء، والحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة القادرة على الصمود.

ومن أبرز مظاهر هذا التحول انفتاح المؤسسة العسكرية الفرنسية بشكل أكبر على العالم المدني، وخاصة على الشركات الناشئة. فبعد أن كانت الابتكارات الدفاعية تعتمد أساسًا على الشركات الكبرى وبرامج التطوير الطويلة، أصبحت الجيوش اليوم تبحث أيضًا عن حلول سريعة ومرنة وقابلة للتعديل. وتقدّم الشركات الناشئة قدرة مهمة على النمذجة السريعة، وثقافة التجريب، وقربًا من التقنيات الناشئة، وهي خصائص تكمّل البنى التقليدية الثقيلة.

وهذا التعاون ليس مجرد خيار عصري، بل ضرورة استراتيجية. ففي بيئة تتغير فيها التهديدات بسرعة كبيرة، يجب اختبار الحلول، وتصحيحها، ونشرها، وإعادة تطويرها من دون انتظار دورات صناعية طويلة. لذلك تحاول فرنسا بناء نموذج ابتكار دفاعي قادر على استيعاب السرعة بدل أن يُفاجأ بها.


السماء والمدار والشبكات

الحرب الحديثة لا تتوقف عند الأرض. فهي تمتد اليوم إلى الفضاء والفضاء السيبراني، وهما مجالان باتا أساسيين في إدارة العمليات العسكرية. فالأقمار الصناعية توفّر الاتصالات والملاحة والمراقبة والاستطلاع، بينما تؤمّن الشبكات الرقمية التنسيق وإدارة القيادة وتبادل البيانات. ومن هنا، فإن استهداف هذه البنى أو حمايتها يعني التأثير مباشرة في قدرة الجيش على الرؤية والفهم والمناورة.

وأصبحت المراقبة الفضائية ذات أهمية استراتيجية متزايدة. فهي تتيح توقع التحركات، وحماية الأصول المدارية، وتقليل نقاط الضعف أمام الهجمات المعادية. وفي الوقت نفسه، أصبحت الحوسبة الفائقة ضرورية لمعالجة البيانات، ونمذجة السيناريوهات، ومحاكاة السلوكيات، ودعم القرار العملياتي. أي إن القوة العسكرية لا تُبنى فقط في ساحات التدريب، بل أيضًا في مراكز البيانات، وخلف الشاشات، وفي الأكواد الرقمية، وداخل الشبكات غير المرئية.

أما الفضاء السيبراني، فيضيف طبقة أخرى أكثر هدوءًا لكنها بالغة التأثير. ففيه يمكن للهجمات أن تعطل الاتصالات، أو تضعف الأنظمة الحساسة، أو تسرق المعلومات، أو تضلل تدفق البيانات. وفي أي صراع حديث، لم تعد الهجمة السيبرانية أمرًا ثانويًا، بل جزءًا من المناورة الكاملة، قد يسبق الضربة، أو يرافقها، أو يمدّد آثارها بعد انتهاء القتال الظاهر.


معركة العقول

إلى جانب حرب الأنظمة، هناك الآن حرب على الإدراك. فقد أصبحت الحرب الإدراكية عنصرًا لا يمكن تجاهله. فالتضليل، والتأثير على الرأي العام، وحملات التوجيه، والإشاعات التي تتضخم عبر شبكات التواصل، كلها 


من نحن Hyba Ghars

صحفية تحقيقات وكاتبة وكاشفة مواهب

ولدت في أغسطس 2003، تجسد هبة غارس الجيل الجديد من الصحفيين التونسيين: جريئة، صارمة، وملتزمة بعمق. وهي موهوبة بقدرات عقلية عالية وفضول لا ينضب، تجمع بين حيوية ذهنٍ استثنائية وقدرة تحليلية دقيقة. قلمها الحاد وحسها السردي يجعلانها صوتًا لا غنى عنه لفهم القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية التي تشهدها تونس والقارة الإفريقية.

متخصصة في التحقيقات الميدانية، تعرف هبة كيف تنقب أعمق من السطح؛ توقيعها الصحفي يجمع بين الصرامة الواقعية، الحس الإنساني، والأسلوب السردي المؤثر، ليقدم للقراء صورًا واستقصاءات مُضيئة. من خلال مقابلاتها، تُبرز المواهب الناشئة والمبادرات الدافعة للتغيير، مساهِمةً بنشاط في بناء مستقبل تقوده جيل زد.

بصفتها «كاشفة مواهب»، تكتشف وتُقوِّم وتوصِل المواهب بفرص تُمكّنهم من الفعل والابتكار. عزمها وكاريزماها يُنسيان صِغر سنها: غالبًا ما يغادر من تلتقيهم وقد تغيّروا وأُلهِموا.

تُثري هبة غارس صفحتنا التحريرية بقيادتها، وفضولها المتجدد، ومطالبها الأخلاقية العالية، وموهبتها في إلقاء الضوء على الديناميكيات المعاصرة وكشف من يصنعون المستقبل…


← العودة إلى المقالات