تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة: هل نشهد نهاية التفوق التكنولوجي؟

بقلم Marc German
|
⏱ 18 دقيقة قراءة
📅 01-05-2026
الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة: هل نشهد نهاية التفوق التكنولوجي؟

اللامتماثل الذي يُرعب القيادات العسكرية

الساعة الثالثة صباحًا في أحد خنادق دونباس. يضع مشغّل أوكراني طائرة مسيّرة من نوع FPV على منصة إطلاق. تم تجميعها داخل مرآب باستخدام قطع صينية اشتُريت عبر الإنترنت. التكلفة الإجمالية: 470 دولارًا فقط. بعد دقائق، تستقر صورة الكاميرا المهتزّة على دبابة روسية من طراز T-90M تبلغ قيمتها نحو 4.5 ملايين دولار، مزوّدة بدرع تفاعلي ونظام حماية نشط. ثم يأتي الاصطدام والانفجار. نسبة التدمير: دولار واحد مقابل 9500 دولار.

هذه هي المعادلة التي بدأت الاستراتيجيات العسكرية تستوعبها تدريجيًا، رغم أن الوقائع تتراكم منذ سنوات. ففي عام 2025، تسببت طائرة أوكرانية مسيّرة لا تتجاوز قيمتها 3000 دولار في إلحاق أضرار بطائرة مقاتلة روسية من طراز Su-34 تبلغ قيمتها 50 مليون دولار. كما نجحت طائرات "شاهد-136" الإيرانية، التي تنتجها روسيا محليًا بتكلفة تقارب 20 ألف دولار للوحدة، في إنهاك الدفاعات الجوية الأوكرانية، إلى درجة أن اعتراضها يتطلب إطلاق صاروخ "باتريوت" تبلغ قيمة الواحد منه 1.1 مليون دولار.

أما وزارة الدفاع الأمريكية، التي اضطرت إلى التخلي عن برنامج "ريبليكاتور" بسبب مشكلات تتعلق بالموثوقية، فتتابع بقلق نتائج المحاكاة العسكرية التي تشير إلى أن سربًا من ألفي طائرة مسيّرة، بتكلفة إجمالية قدرها 10 ملايين دولار، قد يتمكن نظريًا من تحييد قوة بحرية هجومية تُقدَّر قيمتها بنحو 50 مليار دولار.

لكن الصدمة الحقيقية تكمن في الأرقام التي يفضّل مصنعو السلاح عدم الحديث عنها.


قاذفة B-2: أغلى من وزنها ذهبًا... لكنها ليست بمنأى عن الخطر

تبلغ الكتلة الفارغة للقاذفة الشبح B-2 Spirit حوالي 71.7 طنًا. وبحسب أسعار الذهب في يونيو 2026، فإن قيمة وزنها المكافئ من الذهب تتراوح بين 600 مليون ومليار دولار تقريبًا. غير أن تكلفة إنتاج طائرة واحدة من هذا الطراز تقترب من 3 مليارات دولار.

بمعنى آخر، فإن قيمة القاذفة B-2 تعادل ما بين ثلاثة إلى خمسة أضعاف وزنها ذهبًا. وهي بذلك أغلى طائرة حربية في التاريخ، لكنها أيضًا من أكثرها عرضة للخطر مع تراجع فعالية تقنيات التخفي أمام وسائل الكشف الحديثة.

المشكلة الحقيقية تكمن في إمكانية أن تصطدم طائرة مسيّرة لا تتجاوز قيمتها 500 دولار بطائرة B-2 أو F-35 أثناء وجودها على الأرض أو خلال مرحلة التحرك على المدرج. هذا السيناريو لم يعد خيالًا علميًا؛ فقد خسرت روسيا بالفعل طائرات Su-34 على الأرض نتيجة هجمات بطائرات FPV أوكرانية.

وإذا ما تعرضت الطائرات الشبح الأمريكية المنتشرة في قواعد بقطر أو بولندا لسيناريو مماثل، فلن يكون السؤال: "هل سيحدث ذلك؟"، بل "متى سيحدث؟". وعندها ستكون الصورة الإعلامية قاسية: طائرة بقيمة 90 مليون دولار تُدمَّر بواسطة طائرة صغيرة زهيدة الثمن.


عندما يهلوس الذكاء الاصطناعي ويُخطئ الهدف

لا تقتصر تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية على الطائرات المسيّرة الانتحارية.

ففي مراكز القيادة الإسرائيلية، يعمل نظام يُعرف باسم "لافندر" على تحليل بيانات الاتصالات وصور الأقمار الصناعية وسجلات التنقل من أجل إعداد قوائم بالأهداف المحتملة في غزة.

وأشارت تقارير داخلية خلال عام 2025 إلى أن نسبة الخطأ في النظام بلغت نحو 10%، أي أن واحدًا من كل عشرة أشخاص يتم تحديدهم لم يكن لديه ارتباط مؤكد بأي نشاط مسلح. كما أن الوقت المخصص للمراجعة البشرية لكل هدف لم يكن يتجاوز عشرين ثانية.

ونُقل عن أحد المحللين قوله:

"الخوارزمية سريعة للغاية إلى درجة أننا أصبحنا مجرد جهة تصادق على قراراتها. لقد تحولنا إلى الحلقة الضعيفة التي يسعى الذكاء الاصطناعي إلى تجاوزها."

وفي أوكرانيا، تسببت هلوسة خوارزمية في إطلاق إنذار جوي واسع النطاق بعدما خلط النظام بين أسراب من الطيور المهاجرة وصواريخ كروز.

أما في ليبيا، فقد سُجلت عام 2020 حالة لطائرات "كارغو-2" التركية المسيّرة التي هاجمت منطقة مأهولة دون أوامر بشرية مباشرة.

وتكمن المشكلة الأساسية في الطبيعة الاحتمالية للذكاء الاصطناعي؛ فهو لا "يفهم" الواقع كما يفعل الإنسان، بل يبحث عن أنماط وعلاقات إحصائية. وفي البيئات المعقدة والمتغيرة، قد يستنتج أنماطًا غير موجودة أصلًا.

ولهذا يحذر الخبراء من أن الإنسان يُنظر إليه بشكل متزايد باعتباره عائقًا أمام سرعة اتخاذ القرار، في حين أنه الجهة الوحيدة القادرة على تحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية والسياسية عند استخدام القوة المميتة.

فإذا تسبب نظام مستقل يومًا ما في مجزرة مدنية أو تصعيد نووي، فلن يكون بالإمكان محاسبة خوارزمية أو برنامج حاسوبي.


حرب منخفضة التكلفة... والغرب غير مستعد

تتجاوز تداعيات هذه التحولات الجانب العسكري لتصل إلى التوازنات الجيوسياسية العالمية.

فالصين، التي تسيطر على جزء كبير من سلاسل توريد المعادن النادرة والبطاريات والمحركات الكهربائية وبعض أشباه الموصلات، تمتلك القدرة على إنتاج ملايين الطائرات المسيّرة الصغيرة.

كما نجحت إيران في تصنيع وإنتاج طائرات "شاهد" بكميات كبيرة، بينما خصصت روسيا أكثر من 100 ألف عنصر للعمل في مجال الطائرات المسيّرة، وتخطط أوكرانيا لإنتاج سبعة ملايين وحدة بحلول نهاية عام 2026.

في المقابل، لا تزال الصناعات الدفاعية الغربية تركز على أنظمة معقدة وباهظة الثمن، ما يؤدي إلى انقلاب معادلة الكلفة والفعالية.

فقد يصبح غواص هجومي نووي تبلغ قيمته 1.5 مليار يورو مهددًا بواسطة طائرة أو مركبة بحرية مسيّرة لا تتجاوز قيمتها 300 دولار. كما يمكن لحاملة طائرات تبلغ قيمتها 13 مليار دولار أن تتعطل بفعل سرب من المسيّرات الصغيرة.

أما الحلول الدفاعية المحتملة، مثل التشويش واسع النطاق والأسلحة الكهرومغناطيسية وأنظمة الليزر منخفضة التكلفة، فما زالت بعيدة عن الانتشار الواسع.


استشراف المستقبل: عالم من عدم اليقين

بحلول عام 2030، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

1. سيناريو الإغراق الكثيف

تمتلك دولة أو جهة غير حكومية مئات الآلاف من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة والمنسقة فيما بينها، فتتمكن من إغراق دفاعات قوة عظمى وتدمير مراكز قيادتها وأصولها الجوية.

2. سيناريو الخطأ القاتل

يتسبب نظام ذكاء اصطناعي يعمل بسرعة عالية في استهداف مستشفى أو مدرسة أو سد نتيجة خطأ لم يتم اكتشافه في الوقت المناسب، فتحدث كارثة لا يمكن التراجع عنها.

3. سيناريو استحالة التنظيم

يفشل المجتمع الدولي في وضع إطار قانوني فعال للأسلحة الذاتية التشغيل، فتنتشر هذه الأنظمة على نطاق واسع، ويصبح بإمكان مجموعات صغيرة إحداث خسائر جسيمة بموارد مالية محدودة.


ما الذي ينبغي فعله؟

هناك ثلاث أولويات عاجلة:

أولًا: إعادة الإنسان إلى موقع القرار النهائي، وليس مجرد جهة تصديق شكلية.

ثانيًا: حظر الأنظمة المستقلة بالكامل في القرارات القاتلة من خلال اتفاقية دولية ملزمة.

ثالثًا: إعادة توجيه الصناعات الدفاعية نحو أنظمة منخفضة التكلفة وأكثر قابلية للتعويض، بدل التركيز على المنصات فائقة الثمن.


الذهب مجرد رمز... وليس معيارًا

ربما كانت قيمة القاذفة B-2 تُقاس يومًا ما بما يفوق وزنها ذهبًا عدة مرات، لكن هذا المنطق ينتمي إلى حقبة آخذة في الأفول.

في اقتصاد الحروب القادم، لن تُقاس القيمة بتكلفة التطوير، بل بقدرة النظام على الاستمرار والتعويض وتحمل الخسائر.

فالطائرة المسيّرة التي تبلغ قيمتها 500 دولار وتدمر دبابة بملايين الدولارات لن تكون استثناءً، بل قد تصبح القاعدة.

يوفر الذكاء الاصطناعي قدرات هائلة، لكنه يحمل في طياته مخاطر حقيقية: الهلوسة، واللامبالاة بالعواقب الإنسانية، وتراجع دور الحكم البشري.

وإذا لم يُعَد الإنسان إلى قلب عملية اتخاذ القرار باعتباره الضامن والمسؤول النهائي، فقد نجد أنفسنا أمام حروب لا يمكن السيطرة عليها، ولا يمكن تحميل مسؤوليتها لأي جهة.

إن ميادين القتال في أوكرانيا وغزة أصبحت مختبرات مفتوحة لمستقبل الصراعات المسلحة. وحتى الآن، تبدو المؤشرات مقلقة إلى حد بعيد.


نبذة عن الكاتب: مارك جيرمان

صحفي استقصائي ومحلل جيوسياسي يتمتع بخبرة تتجاوز أربعين عامًا في مجال الأعمال الدولية والاستخبارات الاقتصادية. تخصّص في قضايا الصناعات الدفاعية والعقود الاستراتيجية والحروب الاقتصادية وآليات التفكك الصناعي، ويُعد من الأصوات البارزة في مجال التحقيقات الجيوسياسية والدراسات الاستراتيجية.

وهو مؤسس مركز التفكير الاستراتيجي "ريفليكسترات"، وعضو مستمع في كرسي علم الإجرام بالمعهد الوطني للفنون والمهن (CNAM)، ويُعرف بدفاعه عن السيادة الوطنية والأمن الاستراتيجي.

من نحن Marc German

مراسل صحفي دولي ومحلل جيوسياسي

بفضل خبرة تمتد لأكثر من أربعين عاماً كرائد أعمال دولي وأحد الرواد الفرنسيين في مجال الذكاء الاقتصادي، حقق "مارك جيرمان" (Marc German) تحولاً لافتاً قبل عقد من الزمن؛ حيث انتقل من دور الفاعل الذي يعمل في الخفاء وكواليس الأحداث، ليصبح صوتاً بارزاً ورائداً في الصحافة الاستقصائية.

ومن خلال تخصصه في الصناعات الدفاعية، والعقود الاستراتيجية، والحروب الاقتصادية، وآليات تراجع التصنيع، فإنه يثري المشهد الإعلامي بخبرة نادرة. فبعيداً عن النظريات المجردة، تنبع رؤيته من واقع ممارسته السابقة كخبير قام بالتفاوض والتحقيق وتأمين صفقات صناعية كبرى. هذه الشرعية الميدانية تتيح لهتفكيك وتحليل كواليس الرهانات الجيوسياسية وإخفاقات الحوكمة بدقة جراحية.

وباعتباره مساهماً رئيسياً في العديد من الكتب الاستقصائية الأكثر مبيعاً، ومتحدثاً دائماً عبر المنصات المستقلة ووسائل الإعلام المتخصصة (لا سيما في مجالات السيادة الرقمية والمخاطر السيبرانية)، يجسد "مارك جيرمان" النموذج الأرقى للصحافة الاستثنائية. كما أنه، بصفته مؤسساً لمركز الأبحاث Reflextrat ومستمعاً في كرسي علم الجريمة في المعهد الوطني للفنون والحرف (CNAM)، يجمع بين الدقة القائمة على الحقائق، والسرية العملياتية، والشجاعة الفكرية.

وتتجاوز قيمته مجرد تقديم التحليلات، ليكون كاشفاً للفساد (Whistleblower) يتمتع بنزاهة عالية، مسخراً قلمه بكل حزم لخدمة السيادة الوطنية والمصلحة العامة.


← العودة إلى المقالات